ندوة استذكارية أنستاس الكرملي

المكتب الاعلامي / خاص

في أروقة المركز الثقافي البغدادي الخالدة، وعبر منصة «مؤسسة آيشان للدراسات الشعبية»، أُقيمت ندوةٌ استذكاريةٌ وحواريةٌ موسعة احتفت بسيرة وموروث علامة العراق واللغوي المرحوم الأب أنستاس الكرملي، مع تسليط الضوء على جهوده الفذة في خدمة اللغة العربية وتوثيق التراث البغدادي والشعبي، وتتبع المزارات والأمثال والحكايات العامة.

أدار الندوة ببريقٍ علمي الدكتور أحمد الحصناوي، وشهدت مشاركتين رئيسيتين قدمهما كلٌّ من الدكتور علي حداد (رئيس مؤسسة آيشان للدراسات الشعبية) والدكتور باسم الياسري، وسط حضورٍ غفير ونوعي من النخب الثقافية والأساتذة والباحثين المهتمين بتاريخ بغداد وعلامتها الكبير.

المحور الأول: التقديم والافتتاح العلمي | د. أحمد الحصناوي

افتتح الدكتور أحمد الحصناوي الندوة بالحديث عن القيمة التاريخية السامية للأب أنستاس الكرملي، مؤكداً أنه كان صاحب النظرة التأسيسية الاستبقائية لإنشاء المجمع العلمي العراقي، حيث كان يطلق عليه في بداية مطالباته اسم «المحفل» على غرار الأكاديميات العالمية، وكان قد قُدر له أن يتوفى في أواخر عام 1947م، وهو العام نفسه الذي أُسس فيه المجمع رسمياً.

كما استعرض د. الحصناوي ذخائر الكرملي المخطوطة والمحفوظة في خزائن دار المخطوطات العراقية والمجمع العلمي، ومن أبرزها:

مخطوطة الأمثال الشعبية: التي رصد فيها الكرملي أمثال الموصل وبغداد والبصرة، مع تركيزٍ خاص على الألفاظ الموصلية القديمة.

المخطوطة الفرنسية: المكتوبة بخطه الجميل باللغة الفرنسية، والتي شرح فيها خطته ومحاولاته في وضع وتأليف معجمه اللغوي الشهير «المساعد».

المقتنيات النادرة: كاشفاً أن المخطوطة رقم (1) المحفوظة في دار المخطوطات العراقية (مخطوطة معجم البلدان لياقوت الحموي) هي من أصل مقتنيات الكرملي الخاصة وعليها حواشيه بخط يده.

المحور الثاني: الكرملي بين النخبوية اللغوية وحبه للتراث البغدادي الشعبي | د. علي حداد

قدم الدكتور علي حداد ورقةً استعراضية شاملة طاف بها في ثنايا سيرة الأب الكرملي وعلاقته العضوية بمدينة بغداد وتراثها، مؤكداً أن الكرملي يمثل «نموذجاً تراثياً حقيقياً»؛ إذ لم تقف صفته الدينية وقار قيادته لكنيسة الآباء الكرمليين في بغداد حائلاً بينه وبين النزول إلى أعماق الشارع العراقي وتوثيق تفاصيل حياته.

1. الوعي المبكر بأهمية التراث الشعبي (الفلكلور)

أوضح د. حداد أن الكرملي كان يجيد أكثر من سبع لغات عالمية، وكان عضواً في المجامع العلمية بما فيها المجمع اللغوي الفرنسي، ومع ذلك كان من أوائل من عرّبوا مصطلح «الفلكلور» وسماه «علم القوميات». وفي الوقت الذي كان ينظر فيه البعض في القرن الماضي للتراث الشعبي باحتقار أو على أنه «كلام الشياب والعجائز التعبان»، كان الكرملي يمتلك وعياً متقدماً جعل مجلته الشهيرة «لغة العرب» تضم كبار كتاب عصره (مثل معروف الرصافي، ومحمد رضا الشبيبي، ومصطفى جواد، وعبد المولى الطريحي، ورزوق عيسى) ليكتبوا في تراث الشعب وفنونه.

2. التوثيق المعجمي للمفردات والأصوات الشعبية

بين د. حداد أن الكرملي لم يكتفِ بكتابة مقالات عن بغداد وتاريخها ومعنى اسمها، بل وقف في معجمه الكبير عند مفردات بغدادية مغرقة في عاميتها ليفند أصولها:

ردّ ادعاء إرجاع كلمة «التمن» إلى الأجنبية (Ten Men)، وأكد أنها لفظة عراقية قديمة.

شرح مفردات مثل «البارية» (المصنوعة من القصب)، و«الحنقباز»، و«الحبزبوز»، وفنون «الأبوذية» و«الدارمي» و«العتابة».

كتب مقالات كاملة عن مفردات دقيقة في بلاغة الأطفال البغداديين مثل مقالته عن مفردة «تاتي تواتي».

3. جمع «حكايات النسوة البغداديات» (كتاب التفتاف)

سلط د. حداد الضوء على كتاب الكرملي «التفتاف» (وتعني في لسان العرب ناقل حكايات النساء)، وكيف نزل هذا العالم من أعلى بروج المعرفة ليرتقي بالتراث الشعبي؛ إذ كان الكرملي يرسل الأطفال إلى أمهاتهم وجداتهم ويعطيهم قطعاً نقدية بسيطة (روبية) ويشترط عليهم أن ينقلوا له الحكاية بلسان الأم واللهجة البغدادية الدارجة كما هي، فجمع 52 حكاية صالحة اليوم للدراسات الأنثروبولوجية والأنثروبونيمية والسايكولوجية للشخصية البغدادية، مشيراً إلى أن الحكايتين الأخيرتين وثق فيهما الكرملي بدقة صِحافية ماذا يفعل البغداديون في الولادة والأعراس، وماذا يفعلون في حالات العزاء والوفاة ولطم النساء.

4. ريادة الشعر الشعبي وأخبار بغداد اليومية

الشعر الشعبي: يُعد الكرملي رائداً بتوثيقه في الثلاثينات كتاب «مجموعة الأغاني العامية العراقية» (الذي صدر بمجلدين عن دار الشؤون الثقافية في الثمانينات)، مبيناً أنه استطاع وهو في ديره أن يفهم ويضبط أداء أوزان الأبوذية واللهجات البدوية والجنوبية والبغدادية بدقة عالية.

أخبار بغداد: كان يفرد في آخر مجلته باباً توثيقياً إعلامياً باسم «أخبار بغداد وما حولها»، يسجل فيه حالة الطقس، الأمطار، المشاجرات، نزول المواكب، والتحولات الاجتماعية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي.

5. شجن وإهمال الشارع والقبر

أبدى د. حداد أساه الشديد على وضع دير الأب الكرملي وكنيسته القريبة من سوق العربي ومقابل جامع الخلفاء، موضحاً أنه زار الكنيسة قبل سنوات ليجدها في حالة إهمال وخراب، وقبر الكرملي فيها مهمل ومتساوٍ مع الأرض، على الرغم من أن الكنيسة تعود لعام 1822م وتعد معلماً تراثياً وانسانياً. وتساءل بمرارة: «كم للكرملي علينا من ديون؟ لِمَ لمْ نسمّ شارعاً باسمه؟ ولِمَ لم نقم مؤسسة تحمل اسمه؟»، داعياً إلى الوفاء لهذا الرمز الثقافي الذي توفي في بداية عام 1947م ورثته المؤسسات الثقافية العالمية.

المحور الثالث: تحقيق مخطوطة «مزارات بغداد» للكرملي | د. باسم الياسري

تطرق الدكتور باسم الياسري في كلمته إلى رحلته التحقيقية لمخطوطة «مزارات بغداد» التي ظلّت حبيسة الرفوف ومنسية لعقود حتى عثر عليها وعكف على تحقيقها.

1. تجربة الاكتشاف ومكتبة كاشف الغطاء

أوضح د. الياسري أنه عثر على المخطوطة في مكتبة كاشف الغطاء العامة في النجف الأشرف، مشيداً بدور هذه المكتبة ورئيسها الشيخ عباس كاشف الغطاء التي بادرت منذ التسعينات وبحسٍّ وطني رائد رغم الحصار إلى تصوير المخطوطات ديجيتالياً ورقمياً وإتاحتها للباحثين مجاناً. وتتكون المخطوطة من 133 صفحة، تشغل المزارات منها 64 صفحة، بينما قُطعت الصفحات الأخيرة الخاصة بأحداث وفيضانات بغداد ليفرد الكتاب للمزارات حصراً.

2. البُعد التراثي والميثولوجي للمزارات

بين د. الياسري أن الكرملي لم يتناول أضرحة ومزارات بغداد من زاوية دينية أو مذهبية؛ لأنه غير معني بذلك، بل تناولها كجزء من التراث الروحي والذاكرة الشعبية التي تتساوى فيها الشعوب المتحضرة وغير المتحضرة. وأكد أن العراق باختلاف أديانه ومذاهبه (شيعة، سنة، كاكائية، أيزيدية) يعج بهذه المزارات التي تعكس التآخي الاجتماعي، مستشهداً بمقال للدكتور رشيد الخيون الذي أشار فيه كيف يزدحم الكرخ والرصافة بمراقد الأئمة والأولياء (أبو حنيفة، موسى الكاظم، عبد القادر الجيلاني، والشيخ معروف الكرخي الذي تحولت مقبرته من مقبرة باب الدير المسيحية إلى مقبرة الصوفية كالجنيد والشبلي والسقطي وقبة زمرد خاتون المتوفاة 622 هـ).

3. الجهد اللغوي والمنهجي في التحقيق

لغة المخطوطة: اندهش د. الياسري من كون الكرملي (وهو المسيحي الشغوف بالعربية) قد كتب المخطوطة بـ اللهجة البغدادية الدارجة وسماها «اللغة العامية البغدادية الإسلامية».

منهج التحقيق: قام د. الياسري بطباعة المخطوطة بنسختين داخل الكتاب؛ الأولى بنصها البغدادي الدارج حفظاً للأمانة التاريخية، والثانية بملحق مترجم للعربية الفصحى (مثل تحويل عبارة: «أكو عادة عند النسوان» إلى «هناك عادة عند النساء») ليتسنى للقارئ العربي فهمها.

التصحيح الميداني: تتبع د. الياسري صحة نسبة الأضرحة، متوصلاً في هامش التحقيق إلى أن «عمر السهروردي» مدفون بحلب وليس ببغداد إذ قُتل هناك بغضب من صلاح الدين الأيوبي، وأن «الإمام محمد الغزالي» توفي ودفن في طابران (طوس) وليس بالمرقد المنسوب إليه ببغداد.

وقد استشهد د. الياسري بجمالية بغداد وعمقها التاريخي ببيت الشاعر مصطفى جمال الدين:

بَغْدَادُ مَا اشْتَبَكَتْ عَلَيْكِ الأَعْصُرُ … إِلاَّ ذَوَتْ وَوَرَقُ عُمْرِكِ أَخْضَرُ

مَرَّتْ بِكِ الدُّنْيَا وَصُبْحُكِ مُشْمِسٌ … وَدَجَتْ عَلَيْكِ وَوَجْهُ لَيْلِكِ مُقْمِرُ

المحور الرابع: المداخلات والمناقشات العلمية

شهدت الندوة حراكاً حوارياً أثرى محاورها:

مداخلة د. صباح الكركوكلي: أشار إلى النقد اللاذع الذي اشتهر به الكرملي للكتّاب وصحف عصره، متطرقاً إلى مقاله عن صحيفة «قليج» (وتعني السيف بالتركية)؛ حيث ذكر الكرملي أنها من «الجهالات» وأن رئيس تحريرها هو حسين البار ولم يصدر منها إلا بضعة أعداد. وأوضح د. الكركوكلي بحسب أبحاثه أن رئيس تحريرها الحقيقي هو حسين عوني الفوزي (الذي أصبح رئيس أركان الجيش العراقي وتوفي 1949م)، وأن الصحيفة استمرت لأكثر من 26 عدداً (إذ يمتلك في مكتبته الأعداد 24 و25 و26)، وبالتالي لم تكن أعداداً بضعة.

تعقيب د. علي حداد: أوضح أن النقد والمساجلات كانت سمة عصر الكرملي، لكنه كان يمتلك «موضوعية وتواضعاً علمياً شريفاً»؛ واستشهد بموقفه حول مفردة «شاخّة» (الساقية)؛ إذ كان الكرملي يرى أنها آرامية، فلما راسله الشيخ العلامة محمد رضا الشبيبي وبين له أنها ذات أصل فارسي، كتب الكرملي في مجلته معتذراً للشبيبي ومقراً بأن رأي الشبيبي هو الأصوب لصغر معرفته بالفارسية مقارنةً بالفرنسية والتركية والإيطالية.

دقة المصطلح البلاغي: أشار د. حداد إلى أن الكرملي كان يخصص باباً في مجلته باسم «التقريض والمشارفة والانتقاد»؛ مفرقاً بدقة بينها: فالتقريض هو الإشادة بالكتاب، والمشارفة هي شرحه، والانتقاد هو نقد هناته.

استذكار ضياع المعجم المساعد: كشف د. حداد عن مأساة معجم الكرملي «المساعد» (المكون من 6 مجلدات)؛ حيث طُبع جزءان منه بالسبعينات عن وزارة الثقافة، وتبنت دار نشر عراقية في عمان طباعة الأجزاء الستة الباقية وأرسلتها إلى مطبعة بالقاهرة قبل سنوات، فحدثت مشاكل مالية بين المطبعة وصاحب البناية وأُغلقت المطبعة ورُهنت الكراتين التي تضم مخطوط معجم الكرملي منذ سنوات، ولم تنجح المساعي الثقافية والدبلوماسية حتى الآن في إنقاذ هذا السفر العراقي الخالد!

كلمة الأستاذ محمد جاسم: عبر عن شكره للمركز الثقافي البغدادي ومؤسسة آيشان على تسليط الضوء على هذه الشخصيات البغدادية الفذة (كالكرملي والملا عبود الكرخي)، مستذكراً كيف كانوا في طفولتهم يسمعون اسم «كرمل» ولا يدركون حجم هذه القامة العلمية التي جعلت من ديرها محجاً للغة والتراث.

الخاتمة

اختتم الدكتور أحمد الحصناوي الندوة بتقديم أسمى كلمات الشكر للباحثين وللجمهور الكريم الذي حرص على الحضور رغم الظروف الجوية القاسية، مثمناً رعاية المركز الثقافي البغدادي ومؤسسة «آيشان»، لتبقى سيرة الأب أنستاس الكرملي شاهداً خالداً على أن العلم والتراث العراقي لا يحدهما دين ولا مذهب، بل يجمعهما عشق بغداد والوفاء للغتها الضاد.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *