مؤسسة ابن خلدون الثقافية تبحث جذور التطرف والعنف في ظل التنوع البشري والثقافي

المكتب الإعلامي / خاص

أقامت مؤسسة ابن خلدون الثقافية، اليوم الجمعة 14 آب 2026، محاضرة فكرية وعلمية بعنوان «التنوع البشري والثقافي بين الاختلاف والتطرف» في قاعة جواد سليم، بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي والاجتماعي والأنثروبولوجي، قدّمها الباحث حسون حسن المفرجي، وأدار الجلسة الأستاذ فلاح محمد البرزنجي.

واستهل الباحث حسون حسن المفرجي محاضرته بمحور أساسي تناول فيه التطرف المؤدي إلى العنف وعلاقته بطريقة تعامل المجتمعات مع الاختلاف البشري والثقافي، موضحاً أن التنوع بين البشر ليس في ذاته سبباً للصراع، وإنما تكمن الخطورة عندما تتحول الاختلافات العرقية أو الثقافية أو الدينية أو الاجتماعية إلى أدوات للتفاضل والإقصاء ورفض الآخر.

وبيّن المفرجي أن التطرف يبدأ في كثير من الأحيان من منظومة أفكار تنظر إلى الجماعة أو الهوية باعتبارها الحقيقة الوحيدة، وتضع الآخرين في موقع الخصومة أو التهديد، الأمر الذي قد يقود، عندما تتوافر ظروف اجتماعية وسياسية وثقافية مناسبة، إلى إنتاج خطاب الكراهية ثم تبرير العنف.

وأكد أن الاختلاف لا يصنع العنف، وإنما النظرة المتطرفة إلى الاختلاف هي التي قد تحوله إلى صراع، مشيراً إلى أن التاريخ الإنساني شهد نماذج عديدة استُغلت فيها مفاهيم العرق أو القومية أو الدين أو التفوق الثقافي لتبرير الإقصاء والاضطهاد والعنف.

وشدد الباحث على أن مواجهة التطرف تتطلب معالجة جذوره الفكرية والثقافية إلى جانب الإجراءات الأمنية والقانونية، وذلك عبر نشر المعرفة العلمية، وتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ ثقافة الحوار، وإعادة بناء مفهوم الهوية على أساس الانتماء الإنساني والمواطنة والاحترام المتبادل، بدلاً من تحويلها إلى وسيلة لإلغاء الآخر.

كما أشار إلى الدور الذي تضطلع به المؤسسات الثقافية والأكاديمية في مواجهة خطاب الكراهية، من خلال فتح مساحات آمنة للحوار ومناقشة القضايا الحساسة بعيداً عن التعصب والانفعال، مؤكداً أن الثقافة قادرة على تحويل الاختلاف من مصدر للتوتر إلى فرصة للتعارف والتكامل.

بعد ذلك انتقل المفرجي إلى المحور الثاني المتعلق بـ مفهوم الأجناس البشرية وتأثيرها في تشكيل الثقافات، متناولاً الموضوع من منظور علمي متجرد، ومفرقاً بين التنوع البيولوجي الطبيعي بين المجموعات البشرية وبين التصنيفات الاجتماعية والثقافية التي ارتبطت تاريخياً بمفهوم الأجناس.

وأوضح أن الاختلافات الجسدية والوراثية بين المجموعات البشرية لا تعني وجود تفاضل في القيمة الإنسانية أو القدرات العقلية والأخلاقية، وإنما تمثل تنوعاً طبيعياً تشكل عبر التكيف مع البيئات الجغرافية والمناخية المختلفة وعلى مدى فترات زمنية طويلة.

واستعرض المحاضر نماذج من تأثير البيئة والتنوع البشري في تشكل الممارسات الثقافية، ومنها أنماط اللباس والغذاء والسكن والفنون والطقوس والعادات الاجتماعية، مبيناً أن الثقافة تمثل حصيلة تفاعل الإنسان مع البيئة والتاريخ والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي عاشها.

وتوقف المفرجي عند عدد من التصنيفات العنصرية التاريخية التي استُخدمت في مراحل مختلفة لتكريس فكرة التفوق العرقي وتبرير الاستعمار والتمييز، مؤكداً ضرورة التعامل معها بوصفها ظواهر تاريخية وثقافية يجب دراستها ونقدها، لا إعادة إنتاجها في الخطاب المعاصر.

كما تناول أثر العولمة في إعادة تشكيل الهويات الثقافية، ولا سيما في المجتمعات متعددة الأعراق والثقافات، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من هويات مركبة، مؤكداً أن التفاعل بين الثقافات لا يعني بالضرورة إلغاء الخصوصيات، بل يمكن أن يكون وسيلة للتبادل والتطور والإثراء الحضاري.

وشهدت المحاضرة نقاشات ومداخلات واسعة من الحضور، تناولت العلاقة بين التنوع والتطرف، وأسباب انتشار خطاب الكراهية، ودور التربية والتعليم والإعلام والثقافة في الحد من العنف، فضلاً عن تساؤلات حول العنصرية العلمية والتصنيفات البشرية التاريخية وتأثير العولمة في الهوية.

وأدار الأستاذ فلاح محمد البرزنجي الجلسة بحوارية واضحة، مانحاً المشاركين الوقت الكافي لطرح مداخلاتهم، وموجهاً النقاش نحو الجوانب العلمية والفكرية للموضوع، بما أسهم في إثراء المحاضرة وإضفاء طابع أكاديمي رصين عليها.

وفي ختام اللقاء، أكد البرزنجي أهمية استمرار الحوارات التي تتناول القضايا الإنسانية والفكرية المعاصرة، ولا سيما تلك التي تمس صميم العلاقة بين الإنسان والآخر، مشيراً إلى أن مواجهة التطرف تبدأ من تفكيك الأفكار التي تنتج الكراهية، وترسيخ ثقافة ترى في التنوع البشري والثقافي مصدر قوة وغنى للمجتمع.

وتواصل مؤسسة ابن خلدون الثقافية تنظيم فعالياتها الفكرية والثقافية الهادفة إلى تعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش، ومواجهة الأفكار المتطرفة وخطابات الإقصاء، انطلاقاً من إيمانها بأن الثقافة والمعرفة هما خط الدفاع الأول عن الإنسان في مواجهة التعصب والعنف والكراهية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *