المركز الثقافي البغدادي.. بوابة المتنبي إلى الثقافة العراقية والعربية والعالمية
طالب العيسى ..بتصرف
تمهيد
شارع المتنبي في بغداد هو أعرق شوارع الكتب والأدب في العاصمة، ويمثّل مركزًا ثقافيًا نابضًا بالحياة منذ عقود وعلى طرف هذا الشارع التاريخي يقع المركز الثقافي البغدادي وعلى ضفاف دجلة وهو مؤسسة ثقافية وتاريخية وادبية تمّ افتتاحها رسمياً عام 2011 بعد صيانتها وإعادتها للاستخدام الثقافي من قبل محافظة بغداد..
التاريخ والمبنى
- المبنى له تاريخ عريق: تعود اصوله للعهد العباسي الأخير اذ قام الأمير سعادة الرسائلي خادم الخليفة العباسي المستظهر بالله ببناءه مدرسة علمية..
- في العهد العثماني كان يُعرف بـ الدفتر خانة أي مقر حفظ السجلات الرسمية والعقارات.
- في عام 1869، تم تحويله إلى مدرسة عسكرية ضمن جهود الإصلاح العسكري في الدولة العثمانية.
- بعد ذلك خُصص ليكون مقرًا للمحاكم المدنية بعد الاحتلال البريطاني وتأسيس الدولة العراقية.
- تعرض المبنى للإهمال والتخريب، خصوصًا بعد الأحداث الأمنية في السنوات الأخيرة، حتى تمّت إعادة تأهيله في 2011 من قبل محافظة بغداد وتُبنّت فكرة تحويله إلى مركز ثقافي جامع.
مكونات المركز ..
المركز الثقافي البغدادي يحتوي على عدد من القاعات والمكتبات والمتاحف التي تحمل أسماء روّاد في الفكر والفن والأدب العراقي، كما يشمل مرافق مخصصة للأطفال، ويستضيف فعاليات يومية وأسبوعية. من مكوناته:
- قاعات سُمّيت بأسماء: علي الوردي، نازك الملائكة، مصطفى جواد، جواد سليم، حسين علي محفوظ ومحمد غني حكمت وسامي عبد الحميد.
- مكتبات ضخمة ومقتنيات نادرة: مكتبة نازك الملائكة، ميخائيل عواد، عبد الحميد الرشودي، المفكر عزيز السيد جاسم، عماد عبد السلام، علاء بشير وغيرها. تحتوي على مخطوطات، نوادر، وثائق تاريخية وشخصية.
- متاحف: «أرض الرافدين»، «دار السلام» ..
- مرافق للأطفال وفعاليات: مركز المتنبي الصغير، معارض للصناعات التراثية، بازارات، لقاءات أدبية وفنية، ندوات، عروض قصص، محاضرات.
الأدوار الثقافية العراقية
في السياق الوطني والعراقي، المركز الثقافي البغدادي يمثّل:
- حماية التراث الثقافي: استعادة مبنى تاريخي ذو قيمة معمارية وتاريخية وتأهيله ليكون فضاءً للنشاط الثقافي، مما يحفظ جزءًا من الذاكرة المعمارية العراقية.
- منبر للأدب والفكر: من خلال القاعات الأدبية، اللقاءات الشعرية، محاضرات الفكر، وطرح القضايا الاجتماعية والثقافية ضمن الأوساط الفكرية العراقية.
- تنوّع ثقافي وفني: يعرض الفنون التشكيلية، المقام الغنائي، المسرح، السينما، الصناعات التراثية، مما يُعزّز من تنوع المشهد الثقافي العراقي.
- تشجيع البحث والترجمة والتوثيق: المكتبات والمقتنيات والمخطوطات تتيح للباحثين مصادراً موثوقة، وتساعد في تعميق الفهم والتوثيق للتاريخ العراقي.
الأهمية العربية والدولية
على الصعيد العربي والدولي، للمركز ما يلي من أدوار:
- رمز للمقاومة الثقافية: في وقت تواجه فيه الثقافة العراقية تحديات شديدة بسبب الحروب والدمار، يُعتبر المركز علامة على أن الثقافة لا تُهزم، وأن العراق لا يزال بيتًا للمثقفين، للكتاب، للفنون.
- جسر تواصل ثقافي: يستقطب الباحثين والمهتمين بالأدب والتاريخ والمخطوطات من الدول العربية، ويشارك في برامج ومشاريع تعاونية، مما يعزز من التبادل الثقافي العربي.
- مسرح للتراث العالمي: يمتلك مبنى بطابع تاريخي معماري، ومقتنيات تراثية يمكن أن تكون محل اهتمام دراسات عالمية في الفنون المعمارية، التاريخ، المخطوطات ويُمكن أن يُدخله في برامج اليونسكو أو الندوات الدولية.
- استعادة سمعة بغداد كمركز ثقافي عالمي: بغداد منذ العصور الإسلامية كانت منارة للعلم والأدب، والمركز الثقافي البغدادي يساعد في استعادة هذا الدور الرمزي على المستوى العالمي. والناس من الخارج تنظر إلى هذا النوع من المؤسسات كمؤشر على حياة ثقافية نابضة.
التحديات والفرص
التحديات
- الأمن والاستقرار: التهديدات الأمنية يمكن أن تؤثر على استمرارية الأنشطة الثقافية، وحماية المكتبات والمقتنيات.
- التمويل والصيانة: الحفاظ على مبانٍ تاريخية وترميمها يحتاج إلى موارد دائمة، وصعوبات في تأمينها.
- الدعم المؤسسي: تحقيق استقلالية وفعالية في إدارة الثقافة يحتاج إلى سياسات واضحة ودعم من الحكومة والمؤسسات الثقافية.
الفرص
- التوسع الرقمي: أرشفة المخطوطات والمؤلفات رقمياً لتمكين البحث العالمي والوصول من خارج البلاد.
- الشراكات الدولية: مع مؤسسات ثقافية عربية ودولية للمعارض، الورش، البحوث، والتبادل الفني.
- الأنشطة المتنوعة: فتح المركز للجمهور العام، تقديم ورش للتربية الفنية، للأطفال، للشباب، مما يزيد من تأثيره الاجتماعي.
- السياحة الثقافية: يمكن أن يكون المركز وضاحية في برنامج سياحي ثقافي يشمل شارع المتنبي، المكتبات، المعارض، مما يعزز دور بغداد كثقافة مقصودة.
الخاتمة
المركز الثقافي البغدادي ليس مجرد بناية مُرمّمة، بل هو كيان حيّ، يجمع في طياته الماضي والمستقبل، الأدب والفن، الوطني والعالمي.
هو تجسيد لإيمان العراقيين بأن culture is life — بأن الثقافة هي ما يصنع الهوية، ما يحافظ على الذاكرة، وما يبني التواصل مع الآخرين في شارع المتنبي، في قلب بغداد، يمرّ التاريخ العريق، وتتردد الأصوات – الشعراء، الأدباء، الباحثون – والمركز الثقافي البغدادي هو السّاحة التي تتيح لهم أن يُعبروا، أن يلتقوا، أن يبدعوا، وأن يُشاركوا هذا الإبداع مع العالم.
